اكتب عن الفن لاتذكر بيروت مدينتي! فالفن فكر وعقيدة، والعمل الفكري يعني التأليف، الابتكار والابداع.
اما الفن، فهو تعبير ابداعي عن الانسان، انه امتداد لانسانيته بكل اخفاقاتها وانتصاراتها وآمالها. انه ابن الروح حتى ولو كانت مادته مصنوعة من اختلاجات الجسد ورغباته.
فالفن لا يموت، انه وسيلة تواصل مع الآخرين، انه اختيار الطريق الصعب الى الذات، الى عزلة وسط الفرح، انه اكبر من الحب.
اصابت الوحدة ذاتي وقتلت فيي انسانيتي، نظرت الى نفسي وحاولت الهروب الى ما هو ارفع واسمى من الحياة الى الفن، فوجدت الحرية ذريعة لتأكيد حقي في الانفصال عن الجانب المتهدم من نفسي، الجانب الظلامي. انطلقت في الفن لحظة شعرت بحاجة وجودية، لانه المسألة، ولانه يكشف عمق النفس والفكر والمشاعر والصراع على الوجود بهدف الوصول الى الحقيقة. انها مناسبة للتعبير عن اشكالية وجودي ازاء الحياة ومواقفها، ومن ثم اعادة صياغتها في قالب فني.
فكانت لوحاتي حكاية شغف وكثافة شعور واقتحام بطيء لبواطن ما اجهل في بنيتي الذاتية، انها انفعالاتي المكبوتة التي لا تلبث ان تتحول صراخا صريحا. انها مرآة لذاتي وانعكاساتها وتواصلها مع المتلقي، انها الجواب الصادق لجزء من حياتي الخاصة.
خرجت بكل ذاتي من قلب المعاناة اقاوم المرض، فكانت آلامي المحرك الذي دفعني كي انطلق في سياق ابداعي نحو اعادة بناء ذاتي، وكان الرسم رحلة مستمرة نحو اعماق الوجود والنفس.
وكان الرسم محركا لمشاعري ومؤثرا في ذاتي، ومنطلقا لحريتي، والدافع لاظهار رغباتي الواعية واللاواعية، والتي عكست على اللوحة بصدق وامانة اسرار ذاتي المبعثرة.
فاللوحة هي حياتي الداخلية التي لا ترى بالعين، هي قيمتي التي تنبع من اعماق ذاتي.
لقد حررني الرسم وكان التغيير، وكان التعاطي مع نفسي وتصالحي معها صادقا امينا. وكان الرسم جوابا شافيا لجروح ومعاناة واحزان تسكن بواطن ذاتي. لقد اعطاني شعورا داخليا، وحول فراغي الى كينونة زادت ثقتي بنفسي وقوة لمجابهة الحياة.
كان محترفي مكان سري احضر فيه اسراري التي يعثر عليها في الالوان والخطوط ، وضربات الريشة على اللوحة تشاركني احاسيسي، تحرك مشاعري وافكاري التي تضج في مخيلتي وتهز كياني. تصديت لحدسي الواعي واللاواعي، وعبرت بصدق عن افراحي واحزاني، وكانت اللوحة، وكان لكل واحدة منها رائحة واريج. لقد حولت اللوحة ضجيج العالم من حولي الى صدمة نفسية اعادت الاعتبار الى ذاتي، فانقذت نفسي بالعطاء والقدرة على الخلق والابداع.
كانت لوحاتي صادقة، تبوح باسرار واحاسيس وانفعالات دفينة. فشعرت مع كل لوحة رسمتها بروحي، اني باقية، واني على اتصال مع االعالم المحيط بي.
لم تقدم لوحتي شرحا او تفسيرا، بل تترك المجال لايجاد الحلول اوالايجابات لاسئلة طالما استقطبت تفكير المتلقي ونظره وبقيت عالقة في ذاكرته.
تمتلكني الرهبة لحظة وقوفي امام اللوحة، انظر اليها وابحث عن اسرار دفينة، عن هوية اصيلة وعن انسانية سامية. انها تروي للزمن حكاية، لا ادري ان كانت اسطورة ام حكاية مشاعر واحلام، ام صلاة للحياة والحرية والجمال، ام عن طفولة انا عطشى الى عالمها. انها ذاكرة خصبة انهل منها الحرية والحلم والخيال.
توغلت في لوحاتي البريئة كحلم الاطفال الى اعماق ذاتي السحيقة، واسترجعت طفولتي التي عشتها بدهشة وحب وفرح. انها عالم ساحر مميز، انها عالمي انا.
ولان في الرسم والتلوين مناجاة وخشوع ورهبة ما تحمله كل صلاة، جسدت في لوحاتي ما يقربني من الله ويربطني بالخالق. فكان اللون والضوء والنور، يعكس شفافية الروح، انه الفضاء، انه السماء والبحر، انه الطبيعة والحيوان والانسان. انه انا ! انا الحالمة، انا الباحثة عن علاقة سامية تربطني بالخالق.
فالرسم مادة حيوية حياتية تحمل المعاني الانسانية، انها رسالة حياة، انها ارادة وجود، انها سلاح ضد الموت.
ارسم لانسى، ارسم للدفاع عن نفسي، ارسم لاترجم على اللوحة او الورق كل ما هو لامرئي. اني ابتكر عالما خياليا وفق مزاجي.
ارسم لوحاتي في سكون الليل والعزلة، اكتب يومياتي باللون والضوء والنور، واخربش على جدار الصمت، صرخة من هنا ونهدة من هناك، بهذا اني اهزم الموت.
لوحتي عجينة بشرية، عجينة جسد، صرخة جريئة، كلمة في كنز الصمت، لوحتي هي شخصيتي الشفافة، هي انزواء في صمت الفن.
تبدو لوحتي اقل اهمية من التي احلم بها، بالرغم من انني اتفاعل معها بشغف، لتكون كتلا لونية ووحدة لونية متساوية، واشكالا تسير في ايقاع سري، فتكتسب شخصية مستقلة تحمل الى المتلقي سرها، فيشاركني المغامرة.
اقتحم اللوحة واتعاطى معها كعاشق يبحث عن سر دفين، عن اسرار الالوان وايهاماتها وعالمها، لاكتشف انها مرآة لذاتي، محرك لانفعالاتي وتجسيد لافكاري واحلامي. انها شمس ذكرى لالوان ترن في عيني كنوطة موسيقية، ورؤية لعالم طفولتي وحكاياتها.
عشقت اللون فرسمته بروحي، هو لغتي التي لا خداع فيه. اما ملوانتي الغنية بالاحاسيس والايقاعات اللونية، فتذوب وتنصهر بروحي. لوحتي قصيدة شعرية، وحالة تأملية تفضي الى الصفاء والصمت، هي احتفال بالطبيعة!
لوحتي اروع من ان توصف بالكلمات، انها رؤية خاضعة لخيالي، وسر روحي، انها ضوء وشعاع تدرجات لونية واحاسيس وانفعالات.
تعطي الالوان الزيتية الحية والمتوهجة، للقيم الضوئية واللونية والصباغات المشعة على القماشة، ملمسا وشعورا شفافا لا صلة له بعالمي المحسوس.
فالعجينة الزيتية اللونية الطرية المطواعة والجذابة، تخبر حكاية الحواس واغراء الملامس، ودغدغة الاحاسيس وغنجها.
تقيم الخطوط الافقية والعمودية في فضاء اللوحة، مع انعكاسات الضوء وشفافية اللون، علاقة تفاعلية سحرية، لتؤلف معا كيانا واحدا لا يتجزأ.
يحرك النور فضاء اللوحة، فتتراصف الالوان كالموسيقى البصرية في توليفة موسيقية، وفي تناغمات واحتفالات سعيدة. فتتحول اللوحة من الداخل، ومن نوافذ مفتوحة على الخارج، من نص تشكيلي الى اسلوب جذاب يتلاءم والمتطلبات الجديدة.
اضافة الى ذلك، تضم لوحتي رموزا وتعابير توحي بفرح الانسان وحزنه، وبوحدته وعزلته. اما الزخارف، فتغطي المساحات لتعطي اللوحة بعدا جماليا يوحي بالحياة.
ولان الفن اقوى من صانعه، ولانني لا اريد ان ينتهي كل شيء بموتي، وبما ان الموت ليس نهاية، بل مزيج من نهاية وبداية، فارسم لابقى!